الكون، الآلهة، البشر

في كلٍّ منَّا أخيل وعوليس يتصارعان

 

ندى الحاج

منذ كتابه الأول أصول الفكر الإغريقي (1962)، قدم جان پيير ڤرنان التحليل الأكثر حداثة للأساطير الإغريقية. مدافع متحمس عن تعليم اللغة اليونانية وعلاَّمة كبير، تُرجِمَ كتابُه الكون، الآلهة، البشر: ڤرنان يحكي الأساطير[1] إلى اثنتين وثلاثين لغة.

يعتبر ڤرنان أن اللغة اليونانية لا تفيد أكثر من علم الرياضيات المعاصر أو الفيزياء الكوانتية، إلا لتركيب الدماغ وتأليف ما يسمى بالثقافة. فالاحتكاك مع الأدب الملحمي اليوناني، ولاسيما الإلياذة والأوذيسة، ومع الشعراء والمسرحيين التراجيديين، أمثال إسخِلوس وسوفوكلِس وأوريپيدِس وساپفو، لا يصب في خانة النفعية، بل في خانة العاطفة والجمال.

ما نسميه "الميثولوجيا الإغريقية" هو الذي يشكل مادة قصصية موجهة إلى الأطفال وصلتْنا عبر نصوص الشعراء الكلاسيكيين الكبار، أمثال هسيود وهوميروس وپندار وسواهم. وتتميز تلك القصص بنصوصها السحرية ذات المضمون الخارق التي تطرح مشكلة محسوسة، بعيدًا عن أسلوب العرض النظري. فتتميز الميثولوجيا عن الأبحاث الفلسفية أو الكتب التاريخية بأنها تروي قصصًا ممتعة للسمع، ذات بداية ونهاية، تنكشف بينهما، شيئًا فشيئًا، المشكلةُ المطروحة وفقا لتسلسل القصة. وهكذا عندما يخبر هسيود قصة تكوين العالم أو ولادة أول امرأة، لا يطرح سؤال "ما هو الإنسان؟" الذي يطرحه الفلاسفة، بل ينسج قصة ندخل في تفاصيلها لنتابع تطورها الدرامي. تظهر دومًا وراء القصة خيوطٌ نلتقط من خلالها العالم لنفهم ماهية الوجود الإنساني، مكانة الإنسان في الكون وعلاقته بالطبيعة والآلهة.

تختلف النظرةُ إلى الأسطورة عن النظرة التي عودتنا عليها حضارتُنا، إذ تسجل الأولى مسافة من الأمور التي تبدو لنا بديهية اليوم، كالموت مثلاً الذي لا يُتصور في نظر الإنسان المعاصر، المتجذِّر في ثقافة تعتبر أن كلَّ إنسان فريد ومتميز. فالقصص التي نتلوها لأولادنا، المستوحاة من الميثولوجيا، تطرح المسائل المصيرية وتقدم الأجوبة الممكنة ضمن إطار يؤثر تأثيرًا بليغًا في طفل السابعة أو الثامنة من العمر، تأثيرًا يرى فيه الإنسانُ ذاته في الكون.

بعيدًا عن مفهوم الأخلاقيات السائد الذي يتحدد ضمن المحرَّم والخطيئة والندم والشعور بالذنب، تعكس الميثولوجيا جانبًا أخلاقيًّا يتعلق بالقيم. القيمة الأساسية في نظر الإغريق هي الخير؛ وهم يصنفون البشر بين "أخيار" و"أشرار"، ويمنحون أهمية قصوى لما يسمونه الخير والجمال، وهما قيمتان تختلفان عن القيم الحديثة التي تسودها المنافسةُ والقسوةُ في عالم نحتاج فيه إلى شيء خارج نطاق الفائدة المباشرة ويصب في مجال الجمال الذي تتمحور حوله الثقافة الإغريقية، بعيدًا عن الفضيلة المستوحاة من الحياة الأخرى. الحرية والمناقشة الفكرية هما اللتان تجمِّلان الحياة. وبهذه النقاط، تختلف الثقافة الإغريقية عن الثقافتين المصرية والبابلية، وتثبت الميثولوجيا فكرة أن حلول المشكلات كلها تمر عبر الفكر والحوار الثقافية.

جان پيير ڤرنان (1914-2007) في مكتبه في سيڤر في العام 1989.

ولطالما آمن ڤرنان في شبابه [مرحلته الفكرة الماركسية] بفكرة التطور العلمي والتقني الذي يلغي "الخرافات" كلَّها. لكنه بعدما تشبَّع من الأساطير الإغريقية، أدرك أن إيمانه هذا كان عبثيًّا. إذ لا يمكن للإنسان أن يكون "سيد الطبيعة ومالكها" (ديكارت). ويتساءل ڤرنان: "كيف يسعنا أن نسيطر على الطبيعة مادمنا جزءًا منها؟ كيف نستطيع السيطرة على كلٍّ نحن جزءٌ منه؟" الإنسان للإغريق مسجل في مساحة هو محتجز فيها، لا يمكن له تخطِّيها إلا إذا وعى أنها مساحته في الكون، لا باعتقاده أنه يستطيع احتلال المكان كله في الكون.

يختلف الإيمان بالأساطير الإغريقية عن الإيمان الديني الذي يتم فيه الالتحام بحقيقة تتجاوز الإنسان. فالأساطير هي نصوص متناقَلة من خلال الأدب، يؤمن اليونانيون ببعضها ولا يؤمنون ببعضها الآخر. كما أن هناك روايات مختلفة لكلِّ أسطورة. قبول الأسطورة أو الالتحام بها يتمان من واقع أن سياق القصة يتيح مجالاً لفهم الشخصيات. كان اليونانيون يعشقون الإلياذة والأوذيسة، ولا ندري إن كانوا يؤمنون بهما. يعتقدون أن أبطال الأسطورتين عاشوا في الأزمان الغابرة، ويدركون في الوقت ذاته أن الأسطورتين تندرجان في خانة الإبداع الأدبي. لا يهتم ڤرنان بمزاعم بعض علماء التاريخ والآثار الذين ممن يدعون أنهم يملكون الأدلة على حقيقة وجود هوميروس. ما يهمه فقط هو نصوص الأسطورتين الرائعة وصداها.

في القرن الرابع ق م قال أفلاطون: "إن هوميروس يشتمل على كل شيء: الأخلاقيات، السياسة، ماهية الآلهة، كيفية التكلم والمصالحة والصراع والحراثة [...]." هوميروس نوع من المعرفة الكونية، كأنه مؤسِّس للثقافة الغربية المعاصرة، بدءًا من القرون الوسطى والحقبة الكلاسيكية، زمن تأثرت الملاحم كلها بـالإلياذة والأوذيسة.

يعتبر ڤرنان أن الأوذيسة أكثر إثارة للاهتمام من الإلياذة التي تعرض حياة جيش أكثر مما تعرض سير المدينة، بينما تقدم الأوذيسة تقديمًا دقيقًا جدًّا الحياة الاجتماعية في وطن عوليس، حيث يوصَف دورُ مجلس الأعيان والسلطة والمشكلات التي يتعرض لها الملوك. إلا أن الملحمتين الأسطوريتين تتكاملان.

تتمحور الإلياذة حول البطولة التي تجيب عن معنى الحياة والموت. كان على أخيل الاختيار بين حياة هادئة وطويلة الأمد، محاطة بالعاطفة العائلية، وبين حياة قصيرة ومغامِرة يتوِّجها الموتُ في سبيل مجد البطولة، فاختار الحلَّ الثاني، الأفضل في نظر الإغريق الذين يعتبرون أنه لا يجدر بنا المحافظة على الحياة، بل غزوُها. والوسيلة الوحيدة لبلوغ ذلك هي الموت الذي نغلبه بالمجد. أما في الأوذيسة، حين يقصد عوليس الجحيم ويلتقي ظل أخيل الذي مات في المعركة، يندم هذا الأخير على اختياره، ويقول له إنه يؤثر أن يكون آخر البؤساء الأحياء على الأرض على أن يكون أول الأموات. أما عوليس، فلم يبحث عن المجد، بل أراد أن يشيخ مع زوجته وابنه وأن يعرف كيفية تحقيق قدره: أن يجد موطنه ولا يتخلَّى عن ذاته. الأوذيسة هي الإلياذة معكوسةً، والنصان يتحاوران محاورةً آسرة.

في كلٍّ منا أخيل وعوليس – يتصارعان في بعض أوقات حياتنا أو يتفقان ليتكاملا. في كلٍّ منا صراع الحياة والموت، ويلتقي النقيضان في قصة لا يعرف فصولَها إلا القدر!

*** *** ***

horizontal rule

[1] Jean-Pierre Vernant, L’Univers, les dieux, les hommes : Vernant raconte le mythes, Éditions du Seuil, Paris, 1999.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود